|
والوجدانية
للمُسْتَعْمِرِ حتى بعد أن يَجْلوَ عن أرضِها ،
يَشدُّها إليه نوعٌ من الاستعبادِ الفكريِّ ، إذ لا
تُجِدُ غيْرَ لسانِه وسيلةً للنُطْقِ والتعبيرِ ، ولا
تَلْتَمِسُ في غيرِ مكتبتِهِ زادَها الفكريَّ
والأدبيَّ والثّقافيَّ .
وبمضي الزمنُ ويغدو هذا
الاستعبادُ القهريُّ ولاءً فكرياً وروحياً لمن كان لها
بالأمسِ عَدُّواً ، لطولِ ما نَهَلَ أبناؤها من نَبْعِ
أدبِهِ وفِكْرِهِ وانحصروا في فَلَكِهِ ، لا يرون
الدنيا إلاّ بعينِهِ ، ولا يحسونَ طَعْمَ الحياةِ إلاّ
بمذاقِهِ ، ولا يَخْفِقُ وجدانَهُم إلا بِنَبضِهِ .
وهم بِحُكْمِ ثِقافَتِهم العاليةِ يشغلون مراكزَ
التوجيهِ والقيادةِ للرأيّ العامِ ، وعن طريقهِم
يَتَسَلَّطُ الغزوُ الفكريُّ على الشعبِ الذي رَفَضَ
وجودَ المُسْتَعْمِرِ . وكثيراً ما يتصدَّون لمحاربةِ
الذين صانوا لِسانَهُمْ القوميَّ واعتزوا بثقافَتِهِم
الأصليةِ ، فيتصدعُ الكيانُ الوطنيُّ من أثَرِ
الصِدامِ المريرِ بينَ دُعاةِ الأصالةِ يَتهِمون
المتفرنجينِ بالمروقِ والعُقوق ِوالكُفْرِ ، ودُعاةُ
الثقافةِ الأجنبيةِ يتهمونَ خُصومَهُمْ بالرجعيةِ
والجمودِ ، ويرونَ فيها هياكِلَ من حفرياتِ عصورٍ
غابرةٍ .
(بنت
الشاطئ)
|